ابن ميثم البحراني

68

شرح نهج البلاغة

ذلك ذريعة لهم إلى ما أمّلوه من الدنيا الفانية فيكونون قد اتّخذوا ستر اللَّه وظاهر دينه وسيلة إلى معصيته . الصنف الرابع : الغير القادرين عليها المحتالون لها المؤهّلون أنفسهم للملك والإمرة ، وهم المشار إليهم بقوله : ومنهم من أقعدهم عن طلب الملك ضؤولة نفسه . إلى آخره . وذكر من موانع هذا الصنف عمّا رامه مانعين : أحدهما ضؤولة نفسه وقصورها عن المناواة وتخيّلها العجز عن طلب الملك وإن كان مطلوبا ل ه ، الثاني سبب ذلك الضعف وهو انقطاع سببه من قلَّة المال وعدم الأعوان والأنصار في الطلب . فلذلك وقفت به حال القدر على حالته الَّتي لم يبلغ معها ما أراد ، وقصّرته عليها . فعدل لذلك إلى الحيلة الجاذبة لرغبات الخلق إليه من التحلَّي بالقناعة والتزيّن بلباس أهل الزهادة من المواظبة على العبادات ولزوم ظواهر أوامر اللَّه وإن لم يكن ذلك عن أصل واعتقاد قاده إليه . وقوله : وليس [ هو ] من ذلك في مراح ولا مغدى . كناية عن أنّه ليس من القناعة والزهد في شيء أصلا ، ويحتمل أن يكون هذا الصنف من غير القادرين وغير المحتالين . الصنف الخامس : وهم المريدون للَّه تعالى وهم المشار إليهم بقوله عليه السّلام : وبقى رجال . إلى آخره . وذكر لهم أوصافا : الأوّل : كونهم قد غضّ أبصارهم ذكر المرجع . وذلك أنّ المريد للَّه إذا التفت إلى جنابه المقدّس واستحضر أنّه راجع إليه بل مايل بين يديه . فلا بدّ أن يعرض عن غيره حياء منه وابتهاجا بمطالعة أنواره وخوفا أن يحمّج به بصره عن صعود مراتب الأملاك إلى مهاوي الهلاك ، ولأنّ الحسّ تابع للقلب فإذا كان بصر القلب مشغولا غريقا في جلال اللَّه كان مستتبعا للحسّ فلم يكن له التفات من طريقه إلى أمر آخر . وهو المراد بالغضّ . الثاني : كونهم قد أراق دموعهم خوف المحشر . واعلم أنّ خوف الخائفين قد يكون لأمور مكروهة لذاتها ، وقد يكون لأمور